فلسفيات

المنتدى يتعلق أساسا ببرنامج الفلسفة في الباكالوريا

المواضيع الأخيرة

» السؤال عن الإشكالية
الخميس فبراير 05, 2009 7:31 pm من طرف Admin

» السؤال عن الأطروحة المستبعدة
الخميس فبراير 05, 2009 7:19 pm من طرف Admin

» لحظ الانجاز:الأطروحة المثبتة
الخميس فبراير 05, 2009 6:39 pm من طرف Admin

» تقنيات الاشتغال على القسم الثاني ( النص):
الخميس فبراير 05, 2009 5:52 pm من طرف Admin

» تقنيات الاشتغال على القسم الأول
الخميس فبراير 05, 2009 4:39 pm من طرف Admin

» بنية امتحان الفلسفة بالنسبة للشعب العلمية
الخميس فبراير 05, 2009 3:05 pm من طرف Admin

» السنّ والشيعة والوحدة الإسلامية.
الثلاثاء فبراير 03, 2009 3:41 am من طرف الهلالي

» الهوية الثقافية
الثلاثاء فبراير 03, 2009 1:38 am من طرف Admin

» حول مفهوم الهوية ومكوناتها الأساسية
الإثنين فبراير 02, 2009 1:05 am من طرف Admin

التبادل الاعلاني


    العولمة والهوية الثقافية :عشر أطروحات محمد عابد الجابري

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد الرسائل : 36
    تاريخ التسجيل : 28/01/2009

    العولمة والهوية الثقافية :عشر أطروحات محمد عابد الجابري

    مُساهمة من طرف Admin في السبت يناير 31, 2009 12:07 am

    العولمة والهوية الثقافية :عشر أطروحات



    محمد عابد الجابري

    تهدف هذه الورقة إلى رسم إطار عام للعلاقة بين العولمة والهوية الثقافية كما يمكن أن ترصد اليوم في الوطن العربي، سواء كعلاقة قائمة بالفعل أو كما يمكن أن تقوم في المستقبل. وهي تستعيد بصورة أو بأخرى معطيات سبق تقريرها في أعمال سابقة. وبالتالي فالورقة تقدم أطروحات تؤخذ هنا كحقائق أو مسلمات سبق تبريرها في أعمال أخرى. هذه الأطروحات هي:

    الأطروحة 1 : ليست هناك ثقافة عالمية واحدة ، بل ثقافات…

    إننا نقصد بـ "الثقافة" هنا: ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية، تشكل أمة أو ما في معناها، بهويتها الحضارية، في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء. وبعبارة أخرى إن الثقافة هي "المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم، عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل".

    تلزم عن هذا التعريف، لزوما ضروريا، النتيجة التالية، تشكل قلب هذه الأطروحة وجوهرها، وهي أنه: ليست هناك ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام ، وإنما وجدت، وتوجد وستوجد، ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، أو بتدخل إرادي من أهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش، ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسع، ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر.

    الأطروحة 2 : الهوية الثقافية مستويات ثلاثة: فردية، وجمعوية، ووطنية قومية. والعلاقة بين هذه المستويات تتحدد أساسا بنوع "الآخر" الذي تواجهه.

    إن الهوية الثقافية كيان يصير، يتطور، وليست معطى جاهزا ونهائيا. هي تصير وتتطور، إما في اتجاه الانكماش وإما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، انتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما.

    وعلى العموم، تتحرك الهوية الثقافية على ثلاثة دوائر متداخلة ذات مركز واحد:

    - فالفرد داخل الجماعة الواحدة، قبيلة كانت أو طائفة أو جماعة مدنية (حزبا أو نقابة الخ…)، هو عبارة عن هوية متميزة ومستقلة. عبارة عن "أنا"، لها "آخر" داخل الجماعة نفسها: "أنا" تضع نفسها في مركز الدائرة عندما تكون في مواجهة مع هذا النوع من "الآخر".

    - والجماعات، داخل الأمة، هي كالأفراد داخل الجماعة، لكل منها ما يميزها داخل الهوية الثقافية المشتركة، ولكل منها "أنا" خاصة بها و"آخر" من خلاله وعبره تتعرف على نفسها بوصفها ليست إياه.

    - والشيء نفسه يقال بالنسبة للأمة الواحدة إزاء الأمم الأخرى. غير أنها أكثر تجريدا، وأوسع نطاقا، وأكثر قابلية للتعدد والتنوع والاختلاف.

    هناك إذن ثلاثة مستويات في الهوية الثقافية، لشعب من الشعوب: الهوية الفردية، والهوية الجمعوية، والهوية الوطنية (أو القومية). والعلاقة بين هذه المستويات ليست قارة ولا ثابتة، بل هي في مد وجزر دائمين، يتغير مدى كل منهما اتساعا وضيقا، حسب الظروف وأنواع الصراع واللاصراع، والتضامن واللاتضامن، التي تحركها المصالح: المصالح الفردية والمصالح الجمعوية والمصالح الوطنية والقومية.

    وبعبارة أخرى إن العلاقة بين هذه المستويات الثلاثة تتحدد أساسا بنوع "الآخر"، بموقعه وطموحاته: فإن كان داخليا، ويقع في دائرة الجماعة، فالهوية الفردية هي التي تفرض نفسها كـ"أنا"، وإن كان يقع في دائرة الأمة فالهوية الجمعوية (القبلية، الطائفية، الحزبية الخ) هي التي تحل محل "الأنا" الفردي. أما إن كان "الآخر" خارجيا، أي يقع خارج الأمة (والدولة والوطن) فإن الهوية الوطنية –أو القومية- هي التي تملأ مجال "الأنا".

    الأطروحة 3 : لا تكتمل الهوية الثقافية إلا إذا كانت مرجعيتها: جماع الوطن والأمة والدولة.

    لا تكتمل الهوية الثقافية، ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تغدو هوية ممتلئة قادرة على نشدان العالمية، على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والأمة والدولة.

    الوطن: بوصفه "الأرض والأموات"، أو الجغرافية والتاريخ وقد أصبحا كيانا روحيا واحدا، يعمر قلب كل مواطن. الجغرافيا وقد أصبحت معطى تاريخيا. والتاريخ وقد صار موقعا جغرافيا.

    الأمة: بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة: وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن، أعني الوفاء لـ "الأرض والأموات"، للتاريخ الذي ينجب، والأرض التي تستقبل وتحتضن.

    الدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة، والجهاز الساهر على سلامتهما ووحدتهما وحماية مصالحهما، وتمثيلهما إزاء الدول الأخرى، في زمن السلم كما في زمن الحرب. ولا بد من التمييز هنا بين "الدولة" ككيان مشخص ومجرد في الوقت نفسه، كيان يجسد وحدة الوطن والأمة، من جهة، وبين الحكومة أو النظام السياسي الذي يمارس السلطة ويتحدث باسمها من جهة أخرى. وواضح أننا نقصد هنا المعنى الأول.

    وإذن، فكل مس بالوطن أو بالأمة أو بالدولة هو مس بالهوية الثقافية, والعكس صحيح أيضا: كل مس بالهوية الثقافية هو في نفس الوقت مس بالوطن والأمة وتجسيدهما التاريخي: الدولة.

    الأطروحة 4 : ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضا، وبالدرجة الأولى، إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم.

    العولمة التي يجري الحديث عنها الآن: نظام أو نسق ذو أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. العولمة الآن نظام عالمي، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال الخ... كما يشمل أيضا مجال السياسة والفكر والإيديولوجيا.

    والعولمة تعني في معناها اللغوي: تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله. وهي تعني الآن، في المجال السياسي منظورا إليه من زاوية الجغرافيا ( الجيوبولتيك)، العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلدا بعينه، هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات، على بلدان العالم أجمع. ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور "التلقائي" للنظام الرأسمالي، بل إنها، أيضا، وبالدرجة الأولى دعوة إلى تبني نموذج معين. وبعبارة أخرى، فالعولمة ، إلى جانب أنها تعكس مظهرا أساسيا من مظاهر التطور الحضاري الذي يشهده عصرنا، هي أيضا إيديولوجيا تعبر بصورة مباشرة، عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته. وقد حددت وسائلها لتحقيق ذلك في الأمور التالية:

    1- استعمال السوق العالمية أداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية، في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.

    2- اتخاذ السوق والمنافسة التي تجري فيها مجالا لـ"الاصطفاء"، بالمعنى الدارويني للكلمة، أي وفقا لنظرية داروين في "اصطفاء الأنواع والبقاء للأصلح". وهذا يعني أن الدول والأمم والشعوب التي لا تقدر على "المنافسة" سيكون مصيرها ، بل يجب أن يكون، الانقراض.

    3- إعطاء كل الأهمية والأولوية للإعلام لإحداث التغييرات المطلوبة على الصعيد المحلي والعالمي، باعتبار أن "الجيوبوليتيك"، أو السياسة منظورا إليها من زاوية الجغرافيا، وبالتالي الهيمنة العالمية، أصبحت تعني اليوم مراقبة "السلطة اللامادية"، سلطة تكنولوجية الإعلام التي ترسم اليوم الحدود في "الفضاء السيبرنيتي": حدود المجال الاقتصادي السياسي التي ترسمها وسائل الاتصال الإلكترونية المتطورة.

    وهكذا فبدلا من الحدود الثقافية، الوطنية والقومية، تطرح إيديولوجيا العولمة "حدودا" أخرى، غير مرئية، ترسمها الشبكات العالمية قصد الهيمنة على الاقتصاد والأذواق والفكر والسلوك.

    ِالأطروحة 5 :العولمة شيء و"العالمية" شيء آخر. العالمية تفتح على العالم، على الثقافات الأخرى، واحتفاظ بالاختلاف الثقافي وبالخلاف الإيديولوجي. أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي.

    العولمة GLOBALISATION إرادة للهيمنة وبالتالي قمع وإقصاء للخصوصي. أما العالمية UNIVERSALITE UNIVERSALISME. فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي. العولمة احتواء للعالم، والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني.

    نشدان العالمية في المجال الثقافي، كما في غيره من المجالات، طموح مشروع، ورغبة في الأخذ والعطاء، في التعارف والحوار والتلاقح. إنها طريق الأنا للتعامل مع "الآخر" بوصفه "أنا ثانية"، طريقها إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة. أما العولمة فهي طموح بل إرادة لاختراق "الآخر" وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من "العالم". العالمية إغناء للهوية الثقافية، أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع.

    والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد إلغاء الصراع الإيديولوجي والحلول محله.. الصراع الإيديولوجي صراع حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع: يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم: "الإدراك".

    لقد حل هذا اللفظ اليوم - الإدراك- محل لفظ آخر كان كثير الاستعمال بالأمس، في عصر الصراع الإيديولوجي، لفظ "الوعي" (الوعي الطبقي، الوعي القومي، الوعي الديني…). كان الصراع الإيديولوجي وما يزال يستهدف تشكيل الوعي، تزييفه أو تصحيحه الخ، أما "الاختراق الثقافي" فهو يستهدف أول ما يستهدف السيطرة على الإدراك، اختطافه وتوجيهه، وبالتالي سلب الوعي، والهيمنة على الهوية الثقافية الفردية والجماعية.

    في زمن الصراع الإيديولوجي كانت وسيلة تشكيل الوعي هي الإيديولوجيا، أما في زمن الاختراق الثقافي فوسيلة السيطرة على الإدراك هي الصورة السمعية البصرية التي تسعى إلى "تسطيح الوعي"، إلى جعله يرتبط بما يجري على السطح من صور ومشاهد ذات طابع إعلامي إشهاري، مثير للإدراك، مستفز للانفعال، حاجب للعقل…

    و بالسيطرة على الإدراك، وانطلاقا منها، يتم "إخضاع النفوس"، أعني تعطيل فاعليةالعقل، وتكييف المنطق، والتشويش على نظام القيم، وتوجيه الخيال، وتنميط الذوق، وقولبة السلوك. والهدف تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع: معارف إشهارية تشكل في مجموعها ما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة الاختراق".

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 2:16 am